نخيل..قانون وتيكنولوجيا

زرت مراكش الحمراء بعد سنوات من الغياب عن هده المدينة الخلابة والمميزة, كلما اقتربت من الدخول إلى مشارفها يجتاحك إحساس بالألفة والارتياح و هو شعور ينتابك سواء كانت زيارتك الأولى لها أو العاشرة أو حتى الزيارة الألف.

رغم قصر هده الزيارة التي دامت يومين بمدينة النخيل, من أجل حضور ندوة تحت عنوان سبل حماية الشباب من مخاطر الجريمةالالكترونية إلا أن كم المعلومات التي ميزت هده الندوة كان كثيرا ومتنوعا بين ما هو قانوني وما هو ثقافي وعلمي.

أول ما أثار انتباهي هم المشاركون الشباب وكانوا معظمهم ملحقون قضائيون فوج 37 يلفتون انتباهك بملامح وجوههم الجدية وهدوءهم و صعوبة اقتحام عالمهم الخاص, وحتى لو حاولت فمعظم أحاديثهم تأخذك إلى فصول القوانين والتشريعات وكل ما له ارتباط بالقانون والأحكام وأجواء المحاكم, وهدا شيء عادي ادا علمنا أنهم تخرجوا حديثا من المعهد العالي للقضاء بعد 11 شهرا من الدراسة ويقضون 11 شهرا تدريبا بالمحاكم الابتدائية للمملكة, إنهم قضاة المستقبل شباب كله حماس وثقافة وحيوية من أجل تقلد منصب بدرجة ما له من مكانة خاصة بين المجتمع بالدرجة التي يشعر فيها الشخص بالرهبة من حجم المسئولية التي ستلقى على كاهل هدا الإنسان الذي اختار أن يفصل بين شخصين متنازعين أو أكثر..

ويبقى أهم ما يميز هؤلاء الشباب أن عدد الإناث متوازي تقريبا مع عدد الذكور وهدا مؤشر ايجابي لصالح المرأة المغربية أن تلج هدا الميدان الهام و ألا تنحصر بين مجالات كلاسيكية كالتعليم والصحة رغم أهميتهما أيضا.

على مدى اليومين استمعنا لثلة من المحاضرين أساتذة وخبراء كل في مجاله فتنوعت المحاضرات بين ما هو قانوني وما هو مرتبط بالإعلام الجديد والصحافة, ربما ظاهريا يعتقد الفرد ان المجالات متباعدة إلا أن واقع الأمر يظهر العكس .

رغم ليبرالية المغرب في تعامله مع مجال جديد ومنفتح كعالم الانترنت إلا أن المتتبع مازال يشعر بنوع من عدم الثقة بين مستعملي فضاء الانترنت وبين أجهزة تمثل القانون, فأول ما لاحظته وأنا  أقرأ خبرا عن انعقاد هده الندوة على أحد المواقع الالكترونية المغربية, ومن خلال ’’تعليق القراء’’ يظهر جليا كيف أن معظمه عبارات يتخللها الخوف من فرض قيود قانونية على من يرتاد عالم الانترنت.

ونفس الخوف وعدم الثقة لاحظتهما عند معظم المشاركين المنتمين إلى الأجهزة الإدارية, فأغلبهم لا يمتلكون حسابات على المواقع الاجتماعية ك’’فايسبوك وتويتر’’ وبالمقابل في دول غربية نجد نفس الموظفين من نفس المراتب يمتلكون حسابات في مواقع اجتماعية, بل أصبح يعتبر من الأشياء البديهية امتلاك حساب في موقع اجتماعي والتواصل من خلاله, عندما تسألهم يكون جوابهم أن طبيعة عملهم لا تسمح لهم بولوج هدا العالم الافتراضي ولا الوقت يسمح لهم بدلك,ربما أتفهم كل هدا لمعرفتي بطبيعة الإدارة المغربية الصارمة والتي لا تترك للموظف التابع لها فسحة من أجل حياته الشخصية آو ممارسة أي أنشطة تخصه, وكل هدا يزيد تعقيدا كلما كان هدا الإداري يتولى منصبا هاما وحساسا.

رغم أننا ننتمي إلى العالم العربي الذي انطلقت منه أولى نسمات الربيع العربي الذي  بدأ من تونس الخضراء ووصل عبق نسيمه إلى خارج الحدود العربية اد نراه اليوم يجتاح ساحات اسبانيا و شوارع أمريكا ولندن وايطاليا وغيرها من البلدان الغربية,ورغم أن الشباب العربي بدأ احتجاجاته عبر الشبكة العنكبوتية ومن المواقع الاجتماعية ليصل بها إلى الشارع, إلا أن واقع الأمر يظهر أن هناك فئة من المجتمع العربي مازالت تخاف من عالم الانترنت وخوفها نابع بالأساس  من أن الأغلبية لا تجيد استعمال الأدوات المناسبة من أجل ولوج هدا العالم الافتراضي والاستفادة القصوى من كل ايجابياته و تفادي سلبياته, وأنا اكتب الآن أقرأ خبرا عنوانه : السماح باستخدام تويتر داخل ديوان البرلمان البريطاني.

من خلال هدا الخبر يمكننا ان نعي الى أي حد وصلت المسألة وأننا أمام واقع علينا التعامل معه, لقد كانت مبادرة جد مهمة من جهاز كوزارة العدل المغربية ومنظمة الإيسيسكو ان يفكرا في ندوة من هدا النوع توجه بالخصوص الى قضاة شبان ستكون اغلب القضايا التي سيبثون فيها مستقبلا اما لها علاقة مباشرة او غير مباشرة بكل ما هو الكتروني, ولا أعتقد ان تعامل قاضي او أي رجل قانون مع قضية تصنف جريمة الكترونية ستكون شبيهة بجريمة عادية,  ورغم التوصيات الهامة التي خرجت بها هده الندوة وإجماع الكل على أننا بحاجة إلى قوانين تنظيمية لا قوانين زجرية, إلا ان أحسن جملة سمعتها كانت من ممثل وزارة العدل ’’ان الوزارة مهما حاولت ان تهيئ كل الإمكانيات لإفرادها من أجل استعمال التقنيات الحديثة وفهم كيفية التعامل معها الا ان على كل فرد الاجتهاد الشخصي لفهم عالم الانترنت’’ وهدا الكلام هو منطقي وأشعرني بالارتياح من مسئول في جهاز هام, طبعا معنى هدا الكلام ليس الاستغناء عن خبراء في المجال التقني الالكتروني لكن وجوب معرفة مبدأية لعالم افتراضي أصبح يفرض نفسه علينا سيجنبنا السقوط في شرك الامية الرقمية.

 ربما نحن كمغاربة لدينا نوع من الحظ اننا نعيش في بلد يعتبر ليبراليا من حيث تعامله مع الانترنت وهدا التعامل كان قبل الربيع العربي و نرجو أن يستمر ويتطور, خاصة ان كل الإحصائيات الأخيرة تظهر تقدم المغرب من حيث المراتب في كل ما يتعلق باستعمال الانترنت و التكنولوجيات الحديثة.

وتبقى الإشكالية التي تواجه دولة كالمغرب هي أي نوع من القوانين يمكننا ان نضعها تستطيع ان تواكب عالم يتطور بشكل سريع, فيما القوانين تحتاج لعدة مراحل من أجل سنها تم تطبيقها كما لا يمكن تغيرها في كل مرة لأنها عملية معقدة تتحكم فيها مساطر أكثر تعقيدا, وهدا الإشكال لا يواجه المغرب فحسب بل هو مشكل عالمي, لكن باعتقادي ان الدول التي لا تمتلك تكنولوجيا ستكون الأكثر تضررا وستواجه تحديات حقيقة, فالواقع أننا نستورد هدا العالم الافتراضي ولا نتحكم في كل خيوطه فحتى لو استطعنا سن أحسن القوانين وحتى لو كانت لدينا اتفاقيات دولية على المستوى الأمني أو القضائي إلا أننا سنصطدم اليوم او غدا بواقع أننا نتعامل مع عالم لا نمتلكه وبالتالي كيف سنتحكم بهدا العالم؟ وهدا سؤال كبير وضخم يحتاج إلى وقفة تأمل وأجوبة حقيقية …وهنا المسألة تتعدى التحكم وفك ألغاز الجرائم الالكترونية لتصل إلى كيف سنواجه الحروب الالكترونية في المستقبل القريب؟؟؟؟؟

2 ردان على نخيل..قانون وتيكنولوجيا

  1. fahd hami قال:

    فهد حامي ملحق قضائي فوج 37

    أشكرك من صميم القلب على كلماتك الرقيقة، كما أقدر مجهودك و أسلوبك الصحفي الأنيق
    و أكثر ما أرجوه أيضا أن تتسم صحافتنا من أقصاها الى أقصاها بما لمسنا فيك من مهنية و مسؤولية و روح متفتحة و متقدة ذكاءا و طموحا.

    أعجبني

  2. hindapress قال:

    شكرا على كلامك الاكثر من رائع ومتنياتي لك بالتوفيق الدائم

    أعجبني

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: