سابقة قضائية بالمغرب : ثبوت بنوة طفلة ولدت خارج إطار الزواج

26 مارس 2017

سابقة قضائية بالمغرب : ثبوت بنوة طفلة ولدت خارج إطار الزواج

لطالما هُضِم  حق الأطفال من العلاقات خارج إطار الزواج الرسمي واعتبروا عالة على المجتمع مجهولي النسب يطلق عليهم لقب “اللقطاء او أبناء الزنا”. وتنبذ المرأة التي أنجبت هذا الطفل حتى لو كانت العلاقة تحت الإكراه أو الاغتصاب. فالمجتمع ومعه القوانين يحملان كامل المسؤولية للمرأة بينما يدفع الطفل الثمن طوال حياته، في المقابل يكمل الرجل حياته بشكل طبيعي تحت حماية العادات والقوانين. 

أول حكم من نوعه 

وفي أول حكم من نوعه في تاريخ القضاء المغربي، أصدرت المحكمة الابتدائية بطنجة شمالي المغرب حكما في 30 يناير الماضي بثبوت بنوة طفلة ولدت خارج إطار الزواج، كما حكمت على والدها البيولوجي بدفع 100 ألف درهم، 10 آلاف يورو، كتعويضات للأم عن الضرر الذي لحق بها جراء إنجابها من علاقة غير شرعية.

وفي تصريح لـ”أصوات الكثبان”، قال المحامي والناشط الحقوقي نوفل البعمري إن “الحكم يعد سابقة قضائية سيكون له ما بعده في ساحة المحاكم حيث سيعد مرجعا للدفع به في باقي المحاكم و القضايا و الملفات المشابهة بمختلف الدوائر القضائية المغربية”.

وأوضح البعمري أن “الحكم استند على الدستور المغربي في مادته الثالثة، واتفاقية ستراتسبوغ الأوروبية بشأن حماية الأطفال، من أجل الحكم بهذا التعويض وكذا نسب الابن لوالده، رغم أن المادة 148 من مدونة الأسرة تقضي بأنه لا يترتب أي أثر قانوني على مثل هذه العلاقات التي كان نتاجها ابنا”.

واعتبر البعمري أن “الحكم يمثل انخراط الجهاز القضائي المغربي في المنظومة الكونية لحماية حقوق الإنسان، وانتصارا لما نص عليه الدستور من سمو المواثيق الدولية على التشريع الوطني، و هو ما يطرح نقاشا حول أهمية ملاءمة التشريع الوطني للمواثيق الدولية”.

الحق في البنوة 

تفاصيل القصة كلاسيكية تتكرر في كل حين، فقط تتغير الأسماء و الأماكن. المدعية في هذه القضية امرأة اغتصبها شخص من أسرة ذات ثراء ونفوذ، نتج عن هذا الاغتصاب حمل لتنجب طفلة رفض المدعي عليه الاعتراف بأبوته لها. وبناء على التماس الدفاع أحالت المحكمة الملف على مركز الدرك الملكي للقيام بالخبرة الجينية، التي أثبتت الصلة البيولوجية بين المولودة والمدعي عليه.

ويقول رئيس منتدى الطفولة السيد عبد العالي الرامي لـ “اصوات الكثبان” نحن من المؤيدين بشدة لهذا الحكم لان البنوة ثابتة بتحليل ADNوالمحكمة في حكمها لم تلزم الأب بالنسب الشرعي بل فقط بالأبوة وألزمته فقط بالتعويض وليس النفقة وهذا اجتهاد مستحسن استند له القاضي ليذهب بعد ذلك للمسؤولية التقصيرية”.

 

وأوضح الرامي أن “الفقرة الثالثة من المادة 32 من دستور 2011 تنص على أن الدولة تسعى لتوفير الحماية القانونية والاعتبار الاجتماعي والمعنوي لجميع الأطفال بكيفية متساوية بصرف النظر عن وضعهم العائلي”.

ويضيف الرامي ” للأسف القانون المغربي لا يتطرق إلى مسألة أطفال ضحايا أخطاء اقترفها آباؤهم ونحن بحاجة لقانون على الأقل يكفل الجانب المادي لهؤلاء الأطفال ويكفل لهم الحصول على وثائقهم الوطنية حتى لا يبقى طفلا مجهولا لا كفيل له إذا كانت الأم لا تعمل خارج المنزل، وإن الفشل في التوصل إلى آلية تحمي الحقوق المادية للأطفال غير الشرعيين يؤدي إلى تكريس ظاهرة التشرد والأطفال المتخلى عنهم.”

 

نافذة ضوء 

واعتمدت هيئة المحكمة على مجموعة من الأسس منها الفقه الإسلامي والمذهب المالكي خصوصا، الذي يؤيد انتساب الابن لأبيه بغض النظر عن العلاقة سواء كانت شرعية أو غير شرعية كما تم الاستناد إلى الآية 5 من سورة الاحزاب ” ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ” ومجموعة من الأحاديث الواردة في نفس السياق.

كما استندت المحكمة إلى المواثيق الدولية التي صادق عليها المغرب وتنص على حق الطفل في التعرف على أبويه والحق في الهوية، إضافة الى مقتضيات الدستور والمواد القانونية من الفصل 142 الى 148 المتعلقة بثبوت البنوة عموما ولها حالتان البنوة الشرعية وغير الشرعية، وفي اطار البنوة الغير الشرعية التي تختلف عن النسب تم إلحاق المولودة بابيها بدل تحميل المسؤولية الكاملة للأم العازبة دون الأب البيولوجي.

 

وفي لقاء للفاعلة المدنية سعاد الشنتوف مع “أصوات الكثبان” قالت إن “الحكم في نظري هو قراءة وانعكاس لصيرورة مجتمعية اتسمت بالمحافظة، لكن اتسمت بنضال الحركة النسائية خاصة والحقوقية عامة لإقرار حقوق الطفل واعمال محتوى الاتفاقيات والمواثيق الدولية التي صادق عليها المغرب. فالأمهات العازبات من بين الإشكالات التي ما زالت تتقدم ببطء شديد ، تعكس ذكورية المجتمع وانفصامه، وتملص السياسات العمومية من إيجاد أجوبة شافية لانتظارات حقيقية”.

وأضافت الشنتوف “حكم البنوة يشكل هنا منعطفا كونه يسجل لحظة انفلات في صيرورة مجتمعية  سمتها المحافظة الذكورية، فهو نافذة ضوء انتصر فيها القضاء لنقاش العقل متمردا بذلك على المنظومة الفقهية المتشددة التي لا تستحضر المصلحة الفضلى للطفل”.

 

وتابعت الناشطة قائلة “الحكم يعكس فئة لوجه آخر للجسم القضائي، وجه نساء ورجال متشبعات ومتشبعين بمنظومة حقوق الانسان لأنها تجسد منظورا متكاملا للعدالة والكرامة الإنسانية، وبعيدا عن سجن الحكم في النقاش القانوني والفقهي الذي لن يتوقف لأن مرحلة الاستئناف تتطلب منا المزيد من التعبئة واليقظة والدعم للمتنورين والمتنورات داخل قارة القضاء المتسمة بالمحافظة”.

 

هند السباعي الادريسي

نشر التقرير في

dune-voices 

 

 


%d مدونون معجبون بهذه: